ابن كثير

65

البداية والنهاية

سيبويه ، وقدمه إلى صاحب المغرب فأعطاه ألف دينار ، وشرح جمل الزجاجي ، وكان ينتقل في البلاد ولا يسكن إلا في الخانات ، ولم يتزوج ولا تسرى ، ولذلك علة تغلب على طباع الأراذل ، وقد تغير عقله في آخر عمره ، فكان يمشي في الأسواق مكشوف الرأس ، توفي عن خمس وثمانين سنة ( 1 ) . أبو علي يحيى بن الربيع ابن سليمان بن حرار الواسطي البغدادي ، اشتغل بالنظامية على فضلان وأعاد عنه ، وسافر إلى محمد بن يحيى فأخذ عنه طريقته في الخلاف ، ثم عاد إلى بغداد ثم صار مدرسا بالنظامية وناظرا على أوقافها ، وقد سمع الحديث وكان لديه علوم كثيره ، ومعرفة حسنة بالمذهب ، وله تفسير في أربع مجلدات كان يدرس منه ، واختصر تاريخ الخطيب والذيل عليه لابن السمعاني وقارب الثمانين . ابن الأثير صاحب جامع الأصول والنهاية المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد مجد الدين أبو السعادات الشيباني الجزري الشافعي ، المعروف بابن الأثير ، وهو أخو الوزير وزير الأفضل ضياء الدين نصر الله ، وأخو الحافظ عز الدين أبي الحسن علي صاحب الكامل في التاريخ ، ولد أبو السعادات هذا في إحدى الربيعين سنة أربع وأربعين وخمسمائة ، وسمع الحديث الكثير وقرأ القرآن وأتقن علومه وحررها ، وكان مقامه بالموصل ، وقد جمع في سائر العلوم كتبا مفيدة ، منها جامع الأصول الستة الموطأ والصحيحين وسنن أبي داود والنسائي والترمذي ، ولم يذكر ابن ماجة فيه ، وله كتاب النهاية في غريب الحديث وله شرح مسند الشافعي والتفسير في أربع مجلدات ، وغير ذلك في فنون شتى ، وكان معظما عند ملوك الموصل ، فلما آل الملك إلى نور الدين أرسلان شاه ، أرسل إليه مملوكه لؤلؤ أن يستوزره فأبى فركب السلطان إليه فامتنع أيضا وقال له : قد كبرت سني واشتهرت بنشر العلم ، ولا يصلح هذا الامر إلا بشئ من العسف والظلم ، ولا يليق بي ذلك ، فأعفاه . قال أبو السعادات : كنت أقرأ علم العربية على سعيد بن الدهان ، وكان يأمرني بصنعة الشعر فكنت لا أقدر عليه ، فلما توفي الشيخ رأيته في بعض الليالي ، فأمرني بذلك ، فقلت له : ضع لي مثالا أعمل عليه فقال : حب العلا مدمنا إن فاتك الظفر * فقلت أنا : وخد خد الثرى والليل معتكر فالعز في صهوات الليل مركزه * والمجد ينتجه الاسراء والسهر

--> ( 1 ) ذكر أبو الفداء وفاته سنة 609 ه‍ . ( تاريخ أبي الفداء 3 / 115 ) .